أهمية تسجيل شعر المعلقات السبع أو العشر ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي، ورؤية لتحويلها إلى متحف فني متخصص له صبغة عالمية
أهمية تسجيل شعر المعلقات السبع أو العشر ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي، ورؤية لتحويلها إلى متحف فني متخصص له صبغة عالمية
أ.د. أحمد الحسين
أكاديمي سعودي - مدون متحفي
يمثل شعر المعلقات السبع أو العشر أحد أبرز المنجزات الحضارية في المملكة العربية السعودية، والمعلقات ليست مجرد نصوص أدبية خالدة فقط، بل وعاء معرفي وثقافي يحفظ ملامح الحياة العربية قبل الإسلام، ويختزن منظومة من القيم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والجغرافية والفنية التي أسهمت في تشكيل الهوية العربية عبر القرون.
ومن هذا المنطلق، فإن السعي إلى تسجيل المعلقات ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي يعد مشروعاً ثقافياً عالمياً يتجاوز البعد الأدبي إلى آفاق أوسع تتصل بحماية الذاكرة الإنسانية والجغرافية وصون التنوع الثقافي.
وقد عرّفت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) التراث الثقافي غير المادي بأنه الممارسات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات التي تتوارثها المجتمعات جيلاً بعد جيل، وتعيد إنتاجها بصورة مستمرة بما يعزز الشعور بالهوية والاستمرارية.
وتأسيسا على هذا المفهوم، فإن المعلقات تستوفي العديد من معايير التراث اللامادي، إذ ارتبطت بثقافة الإلقاء والرواية الشفوية، وأسهمت في حفظ اللغة العربية الفصحى، والتاريخ، ونقلت صوراً دقيقة للحياة الإنسانية في الجزيرة العربية بالعموم، كما ظلت حاضرة في الذاكرة الثقافية العربية لأكثر من خمسة عشر قرناً.
وتنبع أهمية تسجيل المعلقات في قائمة التراث الثقافي غير المادي للمملكة العربية السعودية من عدة اعتبارات علمية وثقافية، كالناحية اللغوية، حيث تعد المعلقات سجلاً فريداً للغة العربية في أرقى مستوياتها البلاغية، وتشكل مرجعاً أساسياً لدراسة تطور اللغة وأصولها.
ومن الناحية التاريخية، تقدم مادة توثيقية غنية عن البيئة الطبيعية والاقتصادية والاجتماعية للعرب، بما تتضمنه من وصف للصحراء والطرق التجارية والعلاقات القبلية والحروب والأسواق والعادات والتقاليد.
أما من ناحية الجوانب الإنسانية، فإنها تتناول موضوعات عالمية مثل الحب والشجاعة والوفاء والكرم والحنين والفخر، وهي قيم تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.
كما أن تسجيل المعلقات ضمن التراث اللامادي سيعزز حضور الثقافة العربية السعودية في المشهد الثقافي العالمي، ويتيح فرصاً أكبر للبحث الأكاديمي والترجمة والتعريف بالأدب العربي القديم، فضلاً عن تشجيع المبادرات التعليمية والثقافية التي تستهدف الأجيال الجديدة، بما يسهم في تعزيز الهوية الوطنية والانتماء الحضاري للوطن.
ولا ينبغي النظر إلى المعلقات بوصفها إرثاً أدبياً محفوظاً في الكتب فقط، بل باعتبارها مادة ثقافية قابلة للتجديد والإبداع. ومن هنا تبرز فكرة تحويل قصائد المعلقات إلى لوحات فنيةتشكيلية، بوصفها مشروعاً ثقافياً يجمع بين الأدب والفنون البصرية، ويعيد تقديم الشعر العربي بلغة عالمية يفهمها الجميع.
فكل معلقة تحمل مشاهد بصرية غنية يمكن أن تتحول إلى أعمال تشكيلية تستلهم وصف الصحراء والخيول والإبل والأودية والأطلال والنجوم والأسفار ومشاهد البطولة والحياة الاجتماعية.
ويمكن للفنانين التشكيلين والحرفيين أن يستقرئوا الرموز والمعاني الكامنة في النصوص، ليقدموا رؤى معاصرة تربط الماضي بالحاضر، وتتيح للمتلقي أن يعيش التجربة الشعرية بصرياً إلى جانب قراءتها أو سماعها.
ومن هذه الفكرة يمكن أن ينشأ متحف له صبغة عالمية للمعلقات، يكون مؤسسة ثقافية متكاملة تهدف إلى حفظ هذا الإرث وإعادة تقديمه بوسائل حديثة.
ويضم المتحف قاعات فنية مخصصة لكل معلقة، تعرض لوحات مستوحاة من أبياتها، إلى جانب تقنيات العرض الرقمي والواقع الافتراضي، والتسجيلات الصوتية للإلقاء الشعري، والخرائط التاريخية التي توضح البيئات الجغرافية للشعراء ومساراتهم، فضلاً عن المخطوطات والدراسات والمواد التعليمية والمناهج الدراسية.
كما يمكن أن يشتمل المتحف على مركز بحثي متخصص في الشعر العربي القديم، وورش عمل للفنون التشكيلية والخط العربي الجميل، وبرامج للأطفال والناشئة لتعريفهم بالمعلقات من خلال أساليب تفاعلية، إضافة إلى معارض دولية متنقلة تسهم في التعريف بالتراث العربي في مختلف أنحاء العالم.
إن إنشاء متحف للمعلقات لا يمثل مجرد مشروع ثقافي، بل يعد استثماراً في الاقتصاد الإبداعي والسياحة الثقافية، ويجسد رؤية معاصرة لتحويل التراث إلى مورد معرفي وتنموي مستدام.
كما أنه ينسجم مع التوجهات العالمية التي تؤكد أهمية دمج الفنون المختلفة في حفظ التراث ونشره، وإيجاد مساحات للحوار بين الحضارات، بلادنا تمتلك من الأرث الثقافي العالمي الشيء الكثير ونحن أمام فرصة تتسق مع رؤيتنا المباركة ٢٠٣٠ .
تعليقات
إرسال تعليق