رحلتي إلى مدينة العم فينسنت
رحلتي إلى مدينة العم فينسنت
أد۔ أحمد بن محمد الحسين
1
زرت أمستردام بهولندا مرتين الأولى عابرة نهارية لا تتجاوز الساعات العشر في شهر ثمانية من عام 2017م، وكانت سريعة لطيفة، تعلقت بها لتاريخها وعراقة مبانيها، وصداقتي لقنواتها وسكانها يتقدمهم العم فينسنت۔
في مايو 2024م كنت في باريس وخطر لي زيارتها مره أخرى بشكل أطول، وهكذا كان، السفر بين مدن أوروبا متيسر وجيد والوسائل متعددة، اخترت القطار السريع، من باريس إلى أمستردام والتوقف في بروكسل بلجيكا لدقائق محدودة۔
كل شيء جميل ودقيق في الرحلة الوقت والعربة والكرسي المريح وخادم العربة، من حسن الحظ لا يوجد أطفال، فساد الهدوء، الطريق طويل ثلاث ساعات يقطعها النوم أو الأكل أو القراءة۔
الطريق منوع الشواهد والمناظر وخصوصا مروره ببعض المزارع الخضراء، والتوقف في بروكسل يغرى بالنزول للذهاب إلى بروج المدينة الجميلة، فينسا بلجيكا۔
2
عند الوصول إلى مدينة أمستردام، ومقصدنا وسط المدينة أو مركزها الأهم، محطة القطار "سنترال أمستردام"، حيث ينزل جميع الركاب في محطة كبيرة خادمة، يتوفر بها القطار والحافلة والمركب لوجودها على البحر وحتى الدراجة، وهي مدينة الدراجات، وفيها سوق صغير منوع به بعض المحلات والمقاهي والمطاعم والخدمات، المحطة أمام البحر مباشرة حيث ترى المراكب والبوتات الصغيرة، وحتى الكروز، رصيف رحب كبير، وخلف المحطة تقبع المدينة، بشوارعها المتعرجة، وصوت الترام وهو يتحرك كالأفعى في الشوارع، وجرسها يحذر المشاة۔
في شوارعها لا غرابة مرور الترام والباص والسيارة والدراجة، وعليك الحذر منها لكثرتها، وتواجدها في كل طريق۔
تتنافس أمستردام على أنها مدينة الدرجات والقنوات أو العم فينسنت، حيث إنها أكثر ما ترى تكرارا في المدينة۔
3
بعد الخروج من المحطة، توجهت إلى مقر السكن، وقد اخترته قريبا من المحطة، وساحة الدام، حيث تتجاور الفنادق والأنشطة بشكل كبير۔
حال الوصول نزل المطر، تذكرت حديث عابر لصديقي سيزر أنها مدينة الفصول الأربعة، كنت أسمي صديقي بسلطة السيزر اللذيذة، وقد سرحت بشكل سريالي إلى بيتزا الفصول الأربعة، حيث غلبني الجوع بعد الوصول۔
خرجت بعد المطر أبحث عن مطعم لطيف للغداء، وقد تحسبت عودته بمظلة الفندق، وهي لفته جميلة، ليت فنادقنا تضعها كذلك للوقاية من الشمس، كان فندقي يتوسط ميدان واسع وخلفة مجموعة الشوارع الصغيرة الملتوية، شدني مطعم صغير نظيف للأسماك، دخلت أنظر في المكان وقائمة الطعام، فوجدت رجل لطيف يدير المطبخ من العراق، عرفني سريعا على طباخ ألطف من المنصورة، كنت موعود بوجبة غداء محترمة، وحديث ممنع وهكذا كانت البداية۔
4
زيارتي في الأساس للعم فينسنت "فان جوخ" الشهير، وعلى هذا خططت الرحلة، طلبت من خدمة الكونسرج شراء تذكرة، وبعد البحث قال لي كلها مباعة لا يوجد تذاكر، لمت نفسي كثيرا خلال ثواني، لماذا لم اشتر التذكرة ساعة قررت الرحلة والزيارة۔
كان رجل الكونسرج خبيرا، قال لا تقلل خذ يومك وغدا، نبحث مرة أخرى وسنجد لك تذكرة، وفعلا في الغد، وجد وقت وكان الساعة العاشرة، فيما يبدوا أن التذاكر تطرح تباعا، وربما البعض يعدل الموعد لظروفه، فنجد تذاكر بين الوقت والوقت۔
في اليوم التالي استعديت مبكرا، ذهبت بعد الإفطار اللذيذ إلى محطة القطار، وف الرصيف الخلفي، اشتريت تذكرة ليوم واحد مفتوح 24 ساعة حافلة أو ترام، توجهت لموقف 12، اعجبتني الفكرة، يمكن أن تتجول عشرات المرات حسب نشاطك، والدخول والخروج بسيط وسلس مما يساعد على الاستخدام۔
5
ساعة وقوف الترام أمام رصيف المتحف "متحف فان جوخ"، كانت الحركة بالفعل عالية، والأفراد والجماعات والصور واللوحات، والكاميرا التي لا تهدأ، المنطقة فسيحة مزروعة نظيفة، جميلة بجمال فان الشهير۔
أول ما خطر لي سؤال كم جلب فان جوخ إلى اقتصاد هذه المدينة؟ كل شيء فيها هو موجود معه، آلاف المحلات، ومئات المنتوجات، عجيب هذا الرجل، احتل المدينة بمجموعة لوحات، تتصدرها لوحة دوار الشمس، كل شيء فيها أصفر، تلك أمستردام۔
وقفنا في صف طويل أمام فاحص التذاكر، يفحصها عبر الشريط المدمج أو ما يسمى الباركود، ويدخلك على الفور، المتحف فائق الجمال، منظم ومرتب، وله عدد محدود من الزوار، تتقدم إلى الاستقبال تجد خريطة المبنى، وأهم اللوحات، وفي كل ركن مرشد أو حارس۔
كان تركيزي في الحقيقة ومن واقع خبرة على عدد من اللوحات، أراها أولا ثم اتجول حتى أحس بالحاجة إلى الراحة۔
6
قصدت دوار الشمس، كان دليلي كثرة الزوار، بالفعل عدد كبير منهم متسمر أمام الدوار، بلا نفس، الجميع يفحص ويصور، الجوال قلل من الوقوف يصور ويمشي إلى غيرها، تعرف المتذوق والعاشق والفاحص من الزائر العابر أو السائح۔
رسم فان خمس لوحات لباقة كبيرة صفراء من زهور دوار الشمس المعروفة، موضوعة في أصيص للزهور، كانت الأولى عام 1888م وهي الأشهر الموجودة في المتحف، ثم رسم الأربع بعد ذلك بدرجات لونية مختلفة من اللون الأصفر، والطريف إن صديقة بول جوجان رسم فان وهو يرسم دوار الشمس في قراءة مبكرة لصيت هذه اللوحة وقيمتها الفنية والمالية، وما ولدته عبر بذورها من منتجات وأفكار، كان جوجان يرسم من الذاكرة كما يقال لذا رسم الزهور متفتحة، وهي لا تتفتح في شهر ديسمبر كما تذكر المراجع۔
7
وقفت طويلا أمام لوحات شهيرة لرائد الفن الانطباعي منها أكلة البطاطا، والمزهرية الصينية، وزهور اللوز، والحصاد، ودورق الماء، وزهرة السوسن، وجذور شجرة وهي آخر لوحة رسمها 1890م، ومجموعة من الصور الشخصية تتميز فيها القبعة والأسلوب النقطي، والذقن الحمراء، وشدني دفتر صغير فيه تعليقات ورسومات خطية۔
بعد الجولة الطويلة، آن للراحة وقت، مقهى لطيف يقدم القهوة الطازجة وبعض الشطائر، المقهى والكراسي باللون الأصفر، وعلى كل منضدة ورود لدوار الشمس۔
تجولت قليلا في البهو الواسع الذي يعج بالرواد من كل بلاد العالم، اخترت دخول المكتبة أولا، كانت ثرية بالكتب الحديثة والدراسات المعمقة واللوحات، واللطيف فعلا تقدير المتحف للغة العربية، حيث وجدت نسخة لكتاب حديث مترجم، أسعدني كثيرا واقتنيت نسخة بدون تردد، كان بالنسبة لي جائزة، كان في المكتبة ركن للرسم والتلوين وفيه نماذج فارغة يمكن تلوينها، كانت فرصة لتلوين واحدة في حضرة العم۔
8
خرجت من المكتبة إلى متجر المتحف، تهتم المتاحف بالمتاجر حيث تقدم كثيرا من التحف والصور والمكتبيات والبطاقات والنماذج، ويتجاوز ذلك لبعض الملابس والقبعات، تمثل المتاجر مصدرا جيد للدخل، يحرص زوار المتاحف على شراء بعض التذكارات، اشتريت من المتجر ثلاث بطاقات جميلة بمقاس الوسط۔
في طريقي للخروج قابلت بعض مجموعات طلاب المدارس، كانت المجموعات برفقه معلمي التربية الفنية، كنت أرى الحماس في عيون الطلاب، كيف سيرون اللوحات بعد شرح المعلمين، جرس الترام القريب حثني على المسارعة، بوعد على العودة في لقاء قادم۔


تعليقات
إرسال تعليق