أيام في مدريد

 




أيام في مدريد 


أد۔ أحمد بن محمد الحسين


ساعة نزولي في مطار مدريد بالعاصمة الاسبانية العريقة، كان تفكيري منصبا على حجز موعد عاجل لزيارة متحف الملكة صوفيا المركزي الوطني للفنون، فقد كان الهدف الأول هو زيارة الفنان بابلو بيكاسو والتفرج على اللوحة الذائعة الصيت " غرنيكا أو جورنيكا"۔ 

بعد الإجراءات المعتادة خرجت من مبنى المطار، وفي أول تكسي ركبت إلى وسط مدريد حيث حجزي المسبق في أحد الفنادق المتوسط ذات الثلاث نجوم، مع الموقع الممتاز القريب من كل شيء، بطبعي أحب المشي والتسكع في الطرقات والأزقة خصوصا في الصباح واكتشاف الجوار المحيط، والنظر في كل ما يلفت، بعيدا عن تصفحات جوجل۔

من خريطة الفندق السياحية عرفت أن المتحف يبعد عنا حوالي 20 دقيقة، فقررت الذهاب له صباح الغد، بعد الإفطار ليكون بداية البرنامج السياحي الذي رسمته لي في مدريد۔

سألت الكونسيرج عن مقهى جيد يعمل القهوة والمخبوزات، حيث غلبني الجوع والوقت لازال في الصباح، دلني على مقهى عريق، لا يبعد المقهى عن فندقي إلا خطوات قليلة، وأول ما لفت نظري، كثرة المرتادين، لاحظت ذلك ثم، لاحظت كبر المكان وتنوع الأطباق وكبر سن العاملين، ذهب تفكيري مباشرة إلى مقاهي القاهرة العريقة ريش والأمريكانين تحديدا، جال بخاطري تقاطع الثقافات۔

طلبت كوبا من الشكولاتة الساخنة۔ مع بعض الفطائر المحلاة، وضع أمامي النادل الكوب وإبريق الشكولاتة الساخن ومغلفات السكر، ثم الفطائر، كان الطلب لذيذا، وقررت تكراره۔

تجولت في السوق، ومررت بالتمثال الشهير شعار المدينة، تمثال الدب وشجرة الفراولة في طرف ساحة بويرتا ديل سول الكائنة في قلب مدريد، وقفت لأخذ صور تذكارية مع الدب، تبرع أحد السياح بالتصوير وقد شكرته، وقمت بتصويرة كذلك، فرق بين تصويري وتصويرة، يقف السياح بجانب الدب للتصوير ليل نهار، اشتريت تذكارا يمثل هذا المنحوت الجميل، من الجيد خلق الفرص الاقتصادية عبر النماذج التذكارية۔

ذهب لفندقي للراحة، وفي المساء خرجت لتناولت الطبق الرائج بقايا، وكان طبقا عجيبا من قصته التي تذكر أنه وقت حكام الأندلس كان يجمع بقايا الأكل كالسمك واللحم والدجاج والأرز ليعطى للفقراء، وكان سر الطبق اختلاط المكونات فأصبحت بقايا أو الباييا طبقا سياحيا مميزا، وللحق أنه طبق لذيذ متى كانت المكونات طازجة ثرية بالمكونات والخضار۔

أشغلت وقتي بعد ذلك في تصفح مواقع الشبكة التي تتحدث عن المتحف ولوحة غرنيكا، دوما طريقتي أكون فكرة عن المتحف الذي أزوره، شدني وجود لوحات أخرى لسلفادور دالي، قلت قيمة مضافة، في التعرف على لوحات الفنان غريب الأطوار، دالي هو من وضع الوقت والبيتزا بجبنها الذائب اللذيذ في لوحة سريالية واحدة۔ حقا مدريد من عواصم الفن والمتاحف الغنية حيث تكثر فيها المتاحف والقصور والشواهد الفنية۔

خرجت بحصيلة ثقافية جيدة عن غرنيكا ففي عام 1937م طلبت الحكومة الإسبانية من الفنان العالمي بابلو بيكاسو عمل لوحة جدارية كبيرة لمقرها في باريس: المعرض الدولي، وكانت الصعوبة في موضوع اللوحة، حيث ترك للفنان، الذي قنص الفكرة من الحرب، كان خبر تدمير قنابل سلاح الطيران الألماني المشارك في الحرب الأهلية الإسبانية، سوقا صغيرا في قرية غرنيكا الواقعة في إقليم الباسك، وصور الدمار والقتلى والدماء والأشلاء واختلاطها مع الحيوانات هو ما صوره بيكاسو، وخلده إلى يومنا هذا، لوحة كبيرة بمقاس (3،5 م في 7،8م )۔

ليس السماع كالمشاهدة بلاشك، في صباح اليوم التالي خرجت باكرا إلى متحف الملكة صوفيا عبر طريق طويل فسيح نظيف، وصلت إلى شباك التذاكر، كان هناك مجموعة من السياح، بعد إجراءات الدخول المعتادة، سألت أحد المشرفين أين القصد؟ قال: غرنيكا بالإسبانية، وأشار لي بيده إلى الطابق والثاني، فورا انطلقت، كان اللوحة في قاعة كبيرة منفرة، وقفت متسمرا بين مجموعة من الزوار نتأمل اللوحة، لا تصوير لا كلام، للحق كانت اللوحة مهيبة، وحزينة، حزنها من سوادها، ورمادية ألوانها، والنار لا تورث إلا الرماد، لاحقا في عام 2024م فتح مجال التصوير للوحة بعد سنوات طويلة من المنع الصارم۔

اللوحة قاسية فعلا، وقسوتها من حجم الكارثة وحدثها المروع، وقفنا طويلا نتأملها، حاولت تصوير نفسي معها، وكان الحارس يقض، أبتسم ولوح لي بكرت أحمر، فيما كان زميله في الطرف الآخر يراقب، حققت اللوحة شهرة عالمية كبيرة، وكتب وألف عنها الكثير، لكن مدريد كانت أكبر من اللوحة الضخمة ومن رسامها الفذ بيكاسو، فقليل تجد أثرها، مقابل لوحة دوار الشمس ورسامها العجيب فان جوخ۔

الهمت اللوحة مئات الفنانين والكتاب والنقاد وفسرت اللوحة بعشرات المقالات، ولا زالت تزار وتلهم، وقلدت على عشرات المرات، واسقطت على جرائم وحشية كثيرة كل ما في الصورة يرمز إلى جزء أو حدث كالحيوانات مثلا والمصباح۔

بعد ساعة مع غرنيكا تجولت في صالات المتحف، وكان هناك مكتبة ومركز لبيع التذكارات، اخذت منه نسخه من اللوحة، سألت إن كان هناك أي مؤلف باللغة العربية، للأسف لا يوجد۔

ساعة خروجي من المتحف، زاد عدد الزوار بشكل ملحوظ، وحضرت مجموعات الرسم، وكنت سمعت عنها، حيث يحضرون في الصباح للتمرن على الرسم، مع مدربين مرموقين، حييتهم، فطلبوا مني الجلوس لرسمي، الجلسة تطوع من المهتمين في حدود 20 دقيقة، الغالب يهدونك ما رسموا، وأنت وحظك، جلست في المكان المخصص، وأهدي لي 15 رسما، لازالت لدي، تجربة لطيفة، كان يوم المتحف جميلا۔

كان برنامجي يتضمن في اليوم الثالث زيارة حديقة ريتير وبعض المعالم، وكذلك زيارة السوق التقليدي سان ميغيل وهو من الأسواق شعبية الجميلة في مدريد، خرجت للسوق وهو قريب بالمناسبة من فندقي لتناول الافطار، يجذب السوق الذواقة من جميع دول العالم، فتجد الفواكه والخضار والعصائر، وكثير من الطبخات والفرائد، لفت نظري وجود الزعفران، كانت فرصة لشراء علبة جيدة بسعر مميز، وابتسامة ماكرة من البائع، الذي أهداني كأسا من عصير البرتقال الطازج۔

 لاحظت كثير من المطاعم الهندية، وفكرت في طبق من البرياني مع سلطة الريتا وخبز النان الساخن، وكان حظي عجيبا، حيث عرفني النادل بعد السؤال أني من المملكة العربية السعودية، وأخبرني أنه عمل في البطحاء في مدينة الرياض خمس سنوات قبل، الهجرة إلى مدريد، شكرته على حسن الضيافة والاهتمام والسعر الطيب، وعلى زجاجة الماء الزرقاء التي قررت الاحتفاظ بها، ولازالت في مكتبي۔ 

يومي الرابع والأخير تميز بجولة صباحية في ساحة بلاثا مايور وهي الساحة الوطنية الأكبر والأقدم وفيها ترى الفعاليات بمختلف أنواعها، بعد الإفطار الشهي خرجت لها، أول الفرائح مقابلتي لمجموعة من الشباب عليهم الزي القديم، والقبعات الكبيرة، توقعت وجودهم من الصور الكثيرة، ذكر لي أحدهم بعض المعلومات منها عمر الساحة ومتى بنيت؟ اثناء حكم فيليب الثالث ملك إسبانيا في القرن السابع عشر عام 1617م، ويتوسطها بتمثال رفيع على حصان أسود مهيب، من ميزات الساحة التي يعرفها خبراء الأثار بلاط الساحة الذي يتغير من مكان لأخر۔

الساحة مخيفة فيها اعدام المجرمين، ثم تطورت مع الوقت وباتت لمصارعة الثيران، واحتفالات الرسمية، يحيط بالساحة 136 منزلا وشرفات متعددة كثيرة، تستخدم للجلوس الخاص اثناء العروض، ومشاهدة ما يدور في هذه الساحة۔ في طرف الساحة بعض الرسامين، ومعهم لوحات صغيرة جميلة، وهناك من يرسم البوترية، ومحلات التذكارات، وقد أخذت منهم نموذج للساحة، بثمن زهيد، في طريقي للرجوع كنت احسب عدد فروع زار التي مررت بها، توقفت على محل صغير للعطور، وكان نصيبي عطري الاسباني المفضل اسينسيا لوي الأخضر۔

في المساء ودعت فندقي على تمديد الوقت قليلا، ومدريد على الوقت الجميل الذي انساب بدون حواجز، وحملت حقيبتي الصغيرة إلى المطار۔


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

متحف الدهيمان التراثي .. ذاكرة وطنية تحفظ تفاصيل المسيرة السعودية

أهمية تسجيل شعر المعلقات السبع أو العشر ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي، ورؤية لتحويلها إلى متحف فني متخصص له صبغة عالمية

لوحة بائعة الحليب The Milkmaid