متحف الدهيمان التراثي .. ذاكرة وطنية تحفظ تفاصيل المسيرة السعودية








 

متحف الدهيمان التراثي .. ذاكرة وطنية تحفظ تفاصيل المسيرة السعودية

 

أ.د. أحمد بن محمد الحسين - أكاديمي سعودي - مدون متحفي



١

في مدينة الرياض، حيث تتجاور ملامح الدولة الحديثة مع شواهد الماضي العريق، تبدو المتاحف أكثر من مجرد أماكن لحفظ المقتنيات؛ إنها مؤسسات تحفظ الذاكرة، وتعيد قراءة التاريخ، تنمي المعرفة، وتمنح الأجيال فرصة للتأمل في مسيرة وطن تشكّل عبر مراحل طويلة من البناء والتحول والسعي الحثيث.

ومن بين شواهد المتاحف التي تستحق التوقف عند تجربتها " متحف الدهيمان التراثي "، الذي أسسه ويمتلكه الأستاذ فلاح بن دهيمان السبيعي، رئيس اللجنة الوطنية للمتاحف، ليكون إضافة مهمة إلى المشهد المتحفي والتراثي في مدينة الرياض.

 

٢

يقع المتحف في شمال شرق مدينة الرياض حي الرمال، ويمتد على مساحة تتجاوز ألفي متر مربع، ويتكون من طابقين فسيحين، ومجموعة من الصالات المترابطة، يحتضنان مجموعة كبيرة ونادرة تتجاوز30 ألف قطعة تراثية وأثرية. وهذه الكثرة العددية ليست القيمة الوحيدة للمتحف؛ فالأهمية الحقيقية تكمن في تنوع المقتنيات، وقدرتها على رسم صورة واسعة للحياة السعودية في جوانبها التاريخية والاجتماعية والثقافية والتعليمية.

 

٣

متحف يوثق تاريخ المملكة ونهضتها .. يتميز متحف الدهيمان بمحاولة بناء سردية متكاملة لتاريخ المملكة العربية السعودية؛ فلا يقف عند عرض القطعة بوصفها أثراً مادياً، وإنما يجعل منها مدخلاً لفهم مرحلة أو ممارسة أو قيمة اجتماعية.

ومن هنا تتوزع مقتنيات المتحف على أقسام متعددة، تعكس ثراء المجتمع السعودي وتنوع بيئاته ومراحل تطوره. ويأتي في مقدمة هذه الأقسام تاريخ المملكة العربية السعودية، الذي يستعرض جوانب من مسيرة الدولة السعودية وتطورها، وصولاً إلى مراحل النهضة الحديثة التي شهدتها المملكة.

 

٤

كما يحضر التعليم السعودي بوصفه أحد أهم مفاتيح التحول الاجتماعي والثقافي في المملكة؛ فالكتب والأدوات والوثائق والصور والمستلزمات التعليمية القديمة تستعيد أمام الزائر ذاكرة المدرسة السعودية، وتكشف كيف تطور التعليم من بداياته الأولى إلى أن أصبح أحد أهم مرتكزات التنمية الوطنية.

ويأخذ المسكن والزي الشعبي حيزاً مهماً، لما يمثله من ارتباط مباشر بالحياة اليومية. فالبيت ليس مجرد جدران وأدوات، والزي ليس مجرد مظهر خارجي؛ إنهما وثيقتان اجتماعيتان تكشفان طبيعة الحياة، والعادات، والبيئة، والموارد، والذوق، ومكانة الفرد داخل مجتمعه.

 

٥

أما الأدوات والأسلحة، فتقدم جانباً آخر من حياة الإنسان السعودي، من أدوات العمل والحرفة إلى وسائل الدفاع والصيد، بما يعكس مهارات الإنسان وقدرته على التكيف مع بيئته وتسخير مواردها.

ويبرز كذلك قسم الرياضة المميز بوصفه توثيقاً لجانب ربما لا يحظى دائماً بما يستحقه من حضور في المتاحف؛ فالرياضة جزء من الذاكرة الاجتماعية، وقد مرت في المملكة بمراحل وتحولات تعكس تطور المجتمع وتغير أنماط الحياة.

ويأتي التوثيق العام ليكمل هذه الصورة، من خلال الصور والوثائق والمقتنيات التي تمنح الزائر فرصة للوقوف أمام تفاصيل صغيرة ربما تبدو عابرة، لكنها تتحول مع مرور الزمن إلى شواهد تاريخية ذات قيمة كبيرة.

ولا تكتمل تجربة المتحف من دون المكتبة المتميزة التي تمثل امتداداً معرفياً للمقتنيات، وتؤكد أن المتحف الناجح لا يكتفي بحفظ الأشياء، بل يحرص على حفظ المعرفة المرتبطة بها، وإتاحة المجال للباحثين والمهتمين للاستفادة منها.


6

الرياض مدينة المتاحف .. عاصمة الثقافة

تكتسب تجربة متحف الدهيمان أهميتها بصورة أكبر إذا نظرنا إليها ضمن المشهد المتحفي المتنامي في مدينة الرياض، فالرياض اليوم ليست عاصمة سياسية واقتصادية فحسب، بل أصبحت أيضاً عاصمة ثقافية ومركزاً مهماً للمتاحف والمعارض والمؤسسات التي تعنى بالتاريخ والتراث والفنون.

وتتنوع المتاحف في الرياض بين المتاحف الوطنية والتاريخية والتراثية والمتخصصة والفنية، ولكل منها وظيفته ودوره.

ويأتي المتحف الوطني السعودي في مقدمة المؤسسات التي تقدم السردية الكبرى لتاريخ المملكة وتراثها، بينما تقدم المتاحف المتخصصة والتاريخية والتراثية سرديات أكثر قرباً من تفاصيل الحياة اليومية، وتوثق جوانب قد لا يتسع لها المتحف العام.

وتنبع أهمية هذا التنوع من أن التاريخ لا يكتب من زاوية واحدة. فهناك تاريخ الدولة، وتاريخ المجتمع، وتاريخ التعليم، وتاريخ الاقتصاد، وتاريخ الحرف، وتاريخ المدن، وتاريخ الأسرة، وتاريخ المهن، فضلاً عن تاريخ الفنون والرياضة والعمارة وأنماط الحياة.

ومن هنا فإن المتحف الخاص، مثل متحف الدهيمان، يؤدي وظيفة مكملة للمؤسسات المتحفية الكبرى؛ لأنه يستطيع أن يقترب أكثر من التفاصيل الدقيقة للذاكرة الاجتماعية، وأن يجمع مقتنيات قد تكون متناثرة أو معرضة للاندثار، ثم يحولها إلى مجموعات منظمة يمكن للأجيال رؤيتها ودراستها.


٧

المتحف الخاص .. مسؤولية ثقافية

إن إنشاء متحف خاص والمحافظة عليه ليس مهمة سهلة؛ فهي تتطلب شغفاً بالتراث، ومعرفة بقيمة المقتنيات، وحرصاً على جمعها وصيانتها وتصنيفها وتوثيقها وعرضها بطريقة مناسبة.

ومن هذه الزاوية تبرز تجربة الأستاذ فلاح بن دهيمان السبيعي الطويلة؛ فالمتحف يمثل جهداً شخصياً تحول إلى مشروع ثقافي ذي بعد وطني. وجمع أكثر من 30 ألف قطعة يعني أن وراء هذه المجموعة سنوات طويلة من البحث والاقتناء والمتابعة، وأن صاحبها ينظر إلى القطعة التراثية باعتبارها جزءاً من ذاكرة الوطن وليست مجرد مقتنى.

وهنا تظهر أهمية دور رئيس اللجنة الوطنية للمتاحف؛ فالممارسة المتحفية الخاصة يمكن أن تتحول إلى خبرة عملية ترفد الحوار حول مستقبل المتاحف، وتشجع على تطوير القطاع الخاص المتحفي، وتعزيز التعاون بين المتاحف الحكومية والأهلية والخاصة.

 

٨

لماذا نحتاج إلى المتاحف؟

المتحف في جوهره مؤسسة للذاكرة والمعرفة، إنه يحفظ ما يمكن أن تنساه الذاكرة الشفوية، ويوثق ما قد يختفي من الحياة اليومية، ويمنح القطعة سياقها التاريخي والاجتماعي.

وتتمثل أهم أهداف المتاحف في المملكة في حفظ التراث الوطني، وتوثيق التاريخ، وتعزيز الهوية الوطنية، ونقل المعرفة إلى الأجيال، وخدمة الباحثين، وتنمية الوعي الثقافي، وتعزيز السياحة الثقافية.

كما أن المتاحف تؤدي وظيفة تربوية بالغة الأهمية؛ فالطفل الذي يرى أدوات أجداده وكتبهم وملابسهم ومساكنهم لا يقرأ التاريخ في كتاب فقط، وإنما يراه أمامه بصورة محسوسة، وهنا يتحول المتحف إلى فضاء للتعلم والاكتشاف والحوار.

ويمكن للمتحف كذلك أن يكون جسراً بين الماضي والمستقبل؛ إذ إن فهم التحولات التي عاشها المجتمع يساعد على تقدير المنجز الوطني، ويجعل التنمية الحديثة امتداداً لمسيرة تاريخية وليست قطيعة معها.

 

٩

متحف الدهيمان .. من القطعة إلى القصة

ما يلفت النظر في متحف الدهيمان التراثي هو هذا التنوع الواسع في موضوعاته ومقتنياته، فحين ينتقل الزائر بين أقسام التاريخ الوطني والتعليم والمسكن والزي الشعبي والأدوات والأسلحة والرياضة والتوثيق العام والمكتبة، فإنه لا يشاهد مجموعة منفصلة من الأشياء، بل يقترب من قصة الإنسان السعودي في مراحل مختلفة من حياته، وهذه هي القيمة الحقيقية للمتحف، أن تتحول القطعة من شيء صامت إلى شاهد يتحدث عن زمنه.

فالكتاب القديم يحكي عن التعليم، والثوب يحكي عن المجتمع، وأداة العمل تحكي عن المهنة، والسلاح يحكي عن مرحلة تاريخية، والصورة تحكي عن الأشخاص والأماكن، والوثيقة تحكي عن القرار أو الحدث، والبيت يحكي عن نمط الحياة، وبهذا المعنى يصبح المتحف أشبه بكتاب كبير، لكن صفحاته ليست من الورق؛ بل من الأشياء والوثائق والصور والقصص.

 

١٠

الفرصة الحقيقية

هي فرصة التعلم والتعليم للمدارس وطلاب التعليم العام والجامعات في رحلة عبر التاريخ من الماضي إلى الحاضر يحققها متحف الدهيمان مما يكسبه قيمة كبيرة مضافة .. الرياض مدينة المتاحف، وعاصمة الثقافة تتلون بورق الربيع في كل فصول السنة.










تعليقات

  1. حين يتحول الشغف الفردي والإيمان العميق بهوية الوطن إلى صرح شامخ يضم بين طياته أكثر من ثلاثون ألف شاهد على التاريخ، فإننا لسنا أمام مجرد مبادرة شخصية، بل أمام مشروع وطني استثنائي يجسد معنى الانتماء والولاء الحقيقي. يبرز لنا القلم الواعي والرفيع لأستاذنا الفاضل أ.د. أحمد بن محمد الحسين في هذا المقال الراقي ليضع ارواحنا على الجوهر؛ مبدعاً عبر توثيقه المتبصر لتجربة متحف الدهيمان ومؤسسه المخلص الأستاذ فلاح بن دهيمان السبيعي.

    إن ما يسطره الدكتور أحمد الحسين هنا ليس مجرد ثناء على متحف، بل هو دعوة عميقة لإدراك أن الذاكرة الوطنية تجد سندها الأعظم في تلاحم الجهود الفردية والمؤسسية معاً، حيث تتكامل مبادرات الأفراد الواعية مع مساعي الدولة لتوثيق تاريخ الأمة وحراسته من العابر والزائل. لقد أجاد الكاتب في قراءته فلسفة المتحف بوصفه "كتاباً صفحاته من الأشياء"، ليؤكد لنا مجدداً أن الأمم العظيمة هي التي تنهض بتكاتف أبنائها وتعرف كيف تستنطق ماضيها لتبني به مستقبلها بعزم واقتدار.
    حفظ الله المملكة المباركة ومليكها الحكيم الرشيد وسمو ولي عهدها الأمين دام عزك مملكه عظمي

    ردحذف
  2. بارك الله فيكم دكتورنا الكريم، عرض رائع لتاريخ المملكة المشرّف🙏🏻❤️

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أهمية تسجيل شعر المعلقات السبع أو العشر ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي، ورؤية لتحويلها إلى متحف فني متخصص له صبغة عالمية

لوحة بائعة الحليب The Milkmaid