سبعة أيام في الشمال الإيطالي .. "رحلة مع الجمعية الجغرافية السعودية".

 

سبعة أيام في الشمال الإيطالي .. "رحلة مع الجمعية الجغرافية السعودية".

أ.د. أحمد الحسين - أكاديمي سعودي ومدون متحفي

١|
كانت زيارتي إلى الشمال الإيطالي - من ميلان إلى مونت بلانك - تجربة ثرية جمعت بين جمال المكان وعمق التاريخ وثراء الثقافة، وجاءت هذه الرحلة برفقة بعض أعضاء الجمعية الجغرافية السعودية العريقة، لتمنح الزيارة بُعدًا آخر؛ فالجغرافيا ليست مجرد خرائط وحدود وأسماء للمدن، وإنما هي قراءة للمكان، وفهم لتكوينه، وتأمل في علاقته بالإنسان والتاريخ والحضارة.

ومن بين المدن الإيطالية التي تركت في النفس أثرًا خاصًا جاءت مدينة تورينو، المدينة الساحرة التي تقع في شمال غرب إيطاليا، وتتميز بموقعها الجغرافي الفريد عند سفوح جبال الألب المهيبة وعلى ضفاف نهر بو.
وقد بدا لي أن تورينو مدينة تجمع في ملامحها بين هدوء المدن الأوروبية العريقة، وفخامة التاريخ وأناقة العمارة، مع رائحة البخور ودلة القهوة العربية.

٢|
تورينو .. مدينة بين النهر والقصور
تجولنا في عدد من معالم تورينو، فكانت الشوارع والساحات والميادين تحكي شيئًا من تاريخ المدينة وتحولاتها، ولفتني بصورة خاصة حضور نهر بو، الذي يمر بالمدينة ويمنحها مشهدًا طبيعيًا جميلًا، ويشكل عنصرًا مهمًا في شخصيتها الجغرافية والعمرانية.
وعلى ضفاف النهر تتداخل الطبيعة مع العمران، وتظهر تورينو في صورة مدينة عرفت كيف تحافظ على علاقتها بالماء والمساحات الخضراء التي لاحد لها، وكيف تجعل من الجغرافيا جزءًا من جمالها الحضري.
أما قصور تورينو ومبانيها التاريخية، فقد كشفت عن مرحلة مهمة من تاريخ المدينة، ولا سيما ارتباطها بتاريخ أسرة سافوي ودورها السياسي والحضاري في إيطاليا، وتبدو هذه القصور اليوم شاهدة على زمن كانت فيه العمارة وسيلة للتعبير عن القوة والذوق والفن، وليس مجرد مبانٍ للسكن أو الإدارة.

٣|
المتحف المصري .. حضارة النيل في قلب تورينو

وكانت زيارة المتحف المصري في تورينو من أبرز محطات الرحلة وأكثرها ثراءً، فهذا المتحف يمثل تجربة استثنائية؛ إذ تنتقل بك قاعاته من مدينة أوروبية في شمال إيطاليا إلى أعماق الحضارة المصرية القديمة، بما تضمه من تماثيل ونقوش وتوابيت ومومياوات ومخطوطات وقطع أثرية متنوعة.
ويتميز المتحف بقيمة علمية وتاريخية كبيرة، فهو ليس مجرد مكان لعرض الآثار، وإنما فضاء للبحث والدراسة والتعريف بالحضارة المصرية القديمة، وما تركته من إرث إنساني تجاوز حدود مصر ووصل أثره إلى مختلف أنحاء العالم.
وخلال جولتنا في المتحف، استمعنا إلى شرح وافٍ وثري من الأستاذ محمد نجم من منسوبي المتحف، الذي أضاف إلى الزيارة قيمة معرفية خاصة من خلال شرحه الجميل لمكونات المتحف ومقتنياته، وربطه بين القطع المعروضة وسياقها التاريخي والحضاري. فله خالص الشكر والتقدير على ما قدمه من معلومات وإضاءات جعلت الجولة أكثر متعة وفائدة.

٤|
الجمعية الجغرافية السعودية.. حين تصبح الرحلة معرفة

ولعل أجمل ما في هذه الرحلة أنها جاءت في إطار الجمعية الجغرافية السعودية، وهي مؤسسة علمية عريقة أسهمت في خدمة الجغرافيا ونشر المعرفة بها، وربطت العلم بالمكان والإنسان والبيئة.
فالرحلات الجغرافية والثقافية من هذا النوع لا تكتفي بمشاهدة المعالم، وإنما تفتح المجال للتأمل في طبيعة المدن وتاريخها، وفي كيفية تشكل الحضارات حول الأنهار والجبال والطرق والمواقع الجغرافية.
لقد كانت إيطاليا بالنسبة لي في هذه الزيارة أكثر من وجهة سياحية؛ كانت كتابًا مفتوحًا في الجغرافيا والتاريخ والفن والعمارة. وكانت تورينو فصلًا جميلًا من هذا الكتاب، بما فيها من نهر وقصور وساحات ومعالم، وبما يحمله متحفها المصري من قصة استثنائية تربط بين ضفاف النيل وضفاف نهر بو، والحقيقة أن المتحف جعلني أشعر بمودة عميقة للمدينة وتخيلت ميدان التحرير وحي الزمالك الأثير، وكمية الشجر.

٥|
ختام الرحلة
غادرت تورينو وأنا أحمل من صورها أكثر مما التقطته عين الكاميرا والجوال، فبعض المدن لا تُحفظ في الصور وحدها، وإنما تستقر في الذاكرة بما تمنحه للزائر من إحساس بالمكان.
وقد كانت هذه الزيارة برفقة الجمعية الجغرافية السعودية فرصة جميلة للجمع بين السفر والمعرفة، والمشاهدة والتأمل، والجغرافيا والثقافة.
ومن هنا أعود بالشكر لكل من أسهم في إنجاح هذه الرحلة، وبصفة خاصة سعادة الأخ العزيز د. علي الدوسري رئيس الجمعية على ما أضافه إلى هذه التجربة من معرفة ومتعة، لتبقى زيارة تورينو واحدة من الرحلات التي لا تنتهي بانتهاء الطريق، بل تبدأ من هناك في الذاكرة.

 

الثلاثاء، 29 سبتمبر، 9:33 م ‎(قبل 10 أيام)‎

 

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

متحف الدهيمان التراثي .. ذاكرة وطنية تحفظ تفاصيل المسيرة السعودية

أهمية تسجيل شعر المعلقات السبع أو العشر ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي، ورؤية لتحويلها إلى متحف فني متخصص له صبغة عالمية

لوحة بائعة الحليب The Milkmaid