يومٌ في جنوا .. من ذاكرة كولومبوس إلى سحر الريفييرا الإيطالية

 يومٌ في جنوا .. من ذاكرة كولومبوس إلى سحر الريفييرا الإيطالية


أ.د. أحمد الحسين - أكاديمي سعودي ومدون متحفي

١
ثمة مدنٌ لا تكتفي بأن تزورها بل تأخذك في رحلةٍ عبر الزمن فتجد نفسك تمشي بين حجارة التاريخ .. تتأمل واجهات المباني العتيقة وخطوط المطر عليها .. وتستعيد حكايات البحّارة والمستكشفين الذين خرجوا من موانئها إلى عوالم بعيدة.
كانت جنوا الإيطالية واحدةً من تلك المدن التي تمنح زائرها متعة الاكتشاف - ولهذا كانت ضمن برنامج زيارة الجمعية الجغرافية السعودية - وتجمع بين عراقة الماضي وجمال البحر المتوسط.
٢
بدأ يومنا مع المجموعة الرائعة الباسمة في المدينة القديمة بتوجيهات قائد رحلتنا - في حال فاتك الفريق .. الوعد بيت كولومبوس .. في جنوا حيث الأزقة الضيقة التي تتعانق فيها المباني التاريخية وتتوالى الشرفات والنوافذ وتفوح من المكان رائحة الزمن الجميل بخليط توابل السمك.
هنا تذكرت نهام البحر .. دخلت على كتابات طالب الرفاعي تقاسيم الصبا .. تخيلت المرحوم عوض دوخي وهو يحمس بحارة السفينة بصوت لايشابهه صوت .. هنا لا تحتاج إلى كثير من الخيال كي تستحضر تاريخ هذه المدينة البحرية التي كانت إحدى الجمهوريات التجارية القوية في البحر المتوسط .. وميناءً انطلقت منه السفن وعبرت إليه البضائع والثقافات والحكايات.
٣
تجولنا بين شوارعها العريقة - الطالعة والنازلة - وتأملنا ما تحتفظ به من معالم معمارية وطرق وساحات تاريخية في مشهدٍ تتداخل فيه طبقات التاريخ مع تفاصيل الحياة اليومية .. جنوا ليست متحفًا مفتوحًا فحسب .. بل مدينة نابضة بالحياة لا تزال تحافظ على روحها القديمة وسط حركة الناس والمقاهي والمتاجر الصغيرة .. وألوان الجيلاتي الصيفية.
كانت زيارة منزل كريستوفر كولومبوس إحدى المحطات التي منحت الرحلة بُعدًا تاريخيًا جغرافيًا خاصًا .. ففي هذا المكان يستحضر الزائر اسم البحّار والمستكشف الذي ارتبط اسمه برحلات عبور المحيط الأطلسي وبالتحولات الكبرى التي شهدها العالم في نهاية القرن الخامس عشر.
والوقوف أمام المنزل والتأمل في بساطة المكان مقارنةً بضخامة الحكاية التي يحملها الاسم يذكّراننا بأن الشخصيات التي تركت أثرًا في التاريخ بدأت حياتها من بيوت وأحياء ومدن لها ملامحها اليومية البسيطة ..
الدخول للبيت بتذكرة ٥ €.
جلست بعد جولة طويلة في مقهى صغير عريق لطيف مطل على بيت كولومبوس .. طلبت فنجان من القهوة الإيطالية .. كان كل تفكيري ينصب على .. كيف سكن كولومبوس هذا البيت ؟!
٤
بعد أن أخذنا التاريخ إلى ماضي جنوا الملون كبيوتها .. قررنا أن نترك الأزقة الحجرية خلفنا وأن نتبع الطريق الساحلي نحو واحدة من أجمل بلدات الريفييرا الإيطالية: سانتا مارغريتا ليغوري.
كان الطريق نفسه جزءًا من متعة الرحلة .. بحرٌ أزرق يمتد بمحاذاة الطريق وواجهات ساحلية تتبدل مع المنعطفات .. ومشاهد طبيعية تجعل المسافة بين المدينتين رحلةً قائمة بذاتها لا مجرد انتقال من مكان إلى آخر .. جمال عجيب.
٥
في سانتا مارغريتا بدا المشهد أكثر هدوءًا ورقةً .. مدينة ساحلية أنيقة تتجاور فيها المباني الملونة مع المرسى وتنعكس زرقة البحر على الواجهات والنوافذ .. فيما تتوزع المقاهي والمتاجر على امتداد الشوارع التي تستقبل زوارها بروح إيطالية محببة.
كانت القلعة القديمة فوق ربوة عالية مطلة على البحر من أبرز محطاتنا .. بما تحمله من حضور تاريخي مميز وموقع يمنح الزائر فرصة التأمل في جمال الساحل .. والقلعة ليست مجرد بناء حجري قديم .. بل شاهد على زمنٍ كانت فيه المدن الساحلية تحتاج إلى التحصينات لحماية موانئها وسكانها .. ومن حولها يتجلى ذلك التوازن الجميل بين صرامة التاريخ وانفتاح البحر .. وبين ذاكرة المكان المميز وحيويته المعاصرة.
٦
أخذتنا جولتنا إلى محلات التذكارات الفنية في شارع طويل متعرج .. حيث القطع الصغيرة التي تختصر روح المكان والأعمال التي تستلهم ألوان البحر وملامح الريفييرا الإيطالية .. وتوقفنا أخيرا عند متاجر العطور بما تعرضه من روائح وتوليفات تمنح التسوق متعةً حسية مختلفة .. فالعطر مثل الصورة والقطعة التذكارية .. قادر على أن يحمل شيئًا من المكان إلى الذاكرة .. وأن يستدعيه بعد العودة بوقت طويل .. فكرت في شراء عطر محلي .. وليس ماركة أجدها في كل مكان .. خيرني البائع بين الورد بالليمون أو زهرة البرتقال .. فاز الليمون كعطر منعش.
٧
مع امتداد النهار أدركنا أن جمال هذه الرحلة لم يكن في معلمٍ واحد .. بل في تنوع التجربة نفسها .. جنوا بتاريخها البحري العريق وأزقتها التي تحفظ حكايات القرون .. ومنزل كولومبوس الذي يفتح نافذة على تاريخ الاستكشاف .. ثم سانتا مارغريتا بما تمنحه من هدوء البحر وأناقة الشوارع وسحر القلعة والمتاجر الفنية.
كان يومًا جمع بين التاريخ والجغرافيا والفن .. وبين ذاكرة الإنسان وجمال الطبيعة .. خرجنا من جنوا محمّلين بصور المدينة القديمة .. ثم تركنا الطريق الساحلي يضيف إلى ذاكرتنا زرقة البحر وتفاصيل الريفييرا الإيطالية.
٨
هكذا تنتهي بعض الرحلات في التقويم .. لكنها تظل مفتوحة في الذاكرة .. كلما مرّ خاطرٌ عن إيطاليا .. عادت تلك الأيام بكل ما فيها من حجرٍ عتيق .. وماءٍ أزرق .. ورائحة عطر .. وحكاية مدن لا تزال تعرف كيف تصالح الماضي بالحاضر.

تمت

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

متحف الدهيمان التراثي .. ذاكرة وطنية تحفظ تفاصيل المسيرة السعودية

أهمية تسجيل شعر المعلقات السبع أو العشر ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي، ورؤية لتحويلها إلى متحف فني متخصص له صبغة عالمية

لوحة بائعة الحليب The Milkmaid